الشيخ محمد حسين الحائري
319
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
الافحام إذ يكفي في دفعه كون النظر مما لا بد منه عقلا في الوصول إلى الواجب لاتفاق القائلين بوجوب المقدمة والمنكرين له في أن ترك المقدمة لا يصلح عذرا في ترك الواجب المتوقف عليها والضرورة أيضا قاضية بذلك وحينئذ فلا يتوقف فحينئذ الافحام على ثبوت وجوب المقدمة إذ يكفي في إلزامهم بالنظر أنه مما لا بد منه في الاتيان بالواجب واعترض ثانيا بمنع توقف الوجوب على النظر نظرا إلى ثبوته عندهم بالشرع نظر أو لم ينظر فلا يتم قوله ولا يجب حتى أنظر قالوا ولا يلزم منه تكليف الغافل لأنه يفهم التكليف وإن لم يصدق به وأنت خبير بأن هذا الكلام على تقدير صحته إنما يجري إذا أرادوا بقولهم لا يجب حتى ننظر أنه لا يجب علينا النظر واقعا حتى ننظر وأما إذا أرادوا أنه لا يجب النظر عندنا أي لا يثبت وجوبه عندنا حتى ننظر توجه منهم الافحام وانقطع على الرسول سبيل الالزام لالزامهم إياه بما لا سبيل له معه إلى الارشاد والهداية فيعجز عن القيام بوظائف الرسالة لقطعهم عليه طريق المحاجة من غير أن يكونوا سالكين مسلك الاعتساف أو عادلين عن طريقة الانصاف ولا يجدي في ذلك أنه يجب عليهم النظر واقعا مع أن القول بوجوب النظر حينئذ مخالف لما دل عليه الكتاب والسنة من أنه لا تكليف إلا بعد قيام البينة إذ بعد تمسكهم بهذه المقالة لا يتبين عليهم وجوب النظر فكيف يثبت عليهم وأما على طريقة أصحابنا حيث يقولون بوجوب النظر عقلا دفعا لخوف الضرر فالبينة العقلية قائمة في حقهم وهي كافية في لزوم الحجة عليهم وتعلق التكليف بمثل هذا الجاهل المجوز لثبوت التكليف في حقه جائز عندنا عقلا ولهذا نقول باستحقاقه العقاب عقلا إذا قصر في النظر كيف لا ومنشأ خوف العقل بترك النظر إنما هو حكمه باستحقاق العقوبة على تقدير التقصير وصدق الدعوى نعم لو جزم ببراءته والحال هذه لشبهة كان معذورا إلا أن الفرض بعيد عادة وبالجملة فمن جوز ثبوت شريعة وجوز ثبوت تكاليف فيها ولم يجزم ببراءة ذمته عند صاحب الشريعة بترك الفحص فتحرى على ترك الفحص استحق العقوبة على تركها وترك التكاليف الثابتة فيها وإن لم يعلم بشئ منها وكان بمثابة العالم التارك لها فإن ترتب آثار التكليف على مثل هذا الجاهل مما لا يمنعه العقل وإنما يمنع من ترتبها على الجاهل الغافل أو المعتقد عدم ثبوت التكليف في حقه حال الجهل سواء كان عن شبهة كما في الفرض المذكور إن اتفق أو عن دليل كما في حقنا بالنسبة إلى بعض الموضوعات والاحكام الرابع أنهما لو لم يكونا بالعقل لزم جواز ظهور المعجزة على يد الكاذب والتالي باطل أما الملازمة فلان حكم العقل بعدم جواز ذلك ليس إلا لكونها فعله تعالى تصديقا للمدعى وأن تصديق الكاذب قبيح فيمتنع صدوره منه تعالى لعلمه وحكمته وغنائه فإذا بطل قبحه ثبت جوازه إذ لا دليل عليه غيره لا يقال يكفي في الامتناع قبحه في الشرع لأنا نقول بعد المنع من كفاية ذلك إنه يبتني على ثبوت الشرع فإثبات الشرع به دور وأما بطلان التالي فلانه يفضي إلى سد باب إثبات النبوات لابتناء معرفة صدق مدعيها بالمعجزة على امتناع ظهورها على يد الكاذب كما قررنا وأما ما يقال من أنه لا يلزم من جوازه عقلا وقوعه لأنا نقطع بخلافه من حيث قضاء العادة به فمتضح الفساد بل مباهتة وعناد إذ دعوى جريان العادة في المقام بحيث يوجب القطع مما لا يصدر عمن له أدنى درية ومسكة لأنه إن أريد العادة في المعجزة فالاشكال المذكور متجه على جميع مواردها فلا يسلم معجزة يثبت جريانها على يد صادق أصلا فضلا من ثبوتها متكررة بحيث يحصل بها العادة المفيدة للعلم وإن أريد العادة في غيرها فتأثيرها فيها على وجه لا يبتني على قاعدة التحسين والتقبيح غير معقول الخامس أنهما لو لم يكونا بالعقل لزم ارتفاع الوثوق بالمعاد بل وبسائر مواعيده تعالى والتالي باطل أما الملازمة فلان الاعتماد في ذلك إنما هو على إخباره تعالى وإخبار رسله فإذا بطل قاعدة التحسين والتقبيح تطرق احتمال الكذب إلى تلك الأخبار إذ لا مانع منه عند العقل سوى ما فيه من القبح الموجب لتنزه العالم الغني من ارتكابه فإذا ثبت عدم المانع جاز وقوعه عند العقل وهو المراد بالتالي وأما بطلانه فواضح للاجماع على كفر المرتاب في ذلك وأما الاستناد في إحالة ذلك إلى القبح الشرعي أو المنع العادي فقد عرفت فساده آنفا ويمكن تقرير هذا الدليل بوجه آخر وهو أنهما لو لم يكونا بالعقل لزم أن يكون التكليف بالايمان بصدقه تعالى وصدق النبي تكليفا بالمحال والتالي باطل أما الملازمة فلانه لا سبيل لنا إلى الاذعان بذلك بعد الاغماض عن قاعدة التحسين والتقبيح فنكون مكلفين بالعلم بما لا سبيل لنا إلى العلم به وهو المراد بالتالي وأما بطلانه فمعلوم بنص الكتاب والسنة بل وبإجماع الأمة إذ لا قائل بأن التكليف بالايمان بذلك في نفسه تكليف بغير المقدور لا يقال هذا الاشكال مشترك الورود بين القول بنفي التحسين والتقبيح وبين القول بثبوتهما بالوجوه والاعتبار إذ على هذا القول يجوز عند العقل أن يتحقق في الكذب مصلحة مرجحة لوقوعه رافعة لقبحه فإذا تطرق هذا الاحتمال إلى تلك الأخبار عاد الاشكال وربما أمكن تأييده بما ثبت عند أصحابنا الإمامية من جواز التقية على الامام فإنها لا يختص عندهم بالافعال بل يجري في الأقوال أيضا فإذا جاز أن يقول الامام عبارة كاشفة عن الواقع على خلاف ما هو عليه مراعاة لمصلحة التقية جاز مثله في حق النبي بل وفي حقه تعالى أيضا فكيف يحصل الوثوق بتلك الأخبار ومن هنا ذهب بعض الزنادقة من المنتسبين إلى الاسلام إلى أن الأخبار الواردة في الشريعة مما يتعلق بتعذيب الكفار والفساق بأسرها أخبار صورية غير مطابقة للواقع قصد بها مجرد التخويف لحفظ النظام وتكميل الأنام لأنا نقول كما أن ضرورة العقل قاضية بقبح الكذب في نفسه كذلك قاضية بعدم زوال هذه الصفة عنه ما